المناوي
23
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
وسافر مع عمّه إلى الشّام حتى وصل بصرى فرآه بحيرى الرّاهب فرأى منه علامات النبوّة ، فقال لعمّه : ارجع به لئلا تقتله اليهود . وكان عمره ثنتي عشرة سنة . ثم سافر إلى الشّام مع ميسرة في تجارة لخديجة فباع واشترى ، ورأى منه ميسرة العجائب ، وما خصّ به من المواهب ، فأخبر خديجة فخطبته ، فتزوّجها وهو ابن خمس وعشرين ، وهي بنت أربعين . وصار يدعى بالأمين ، فلمّا تمّ له خمس وثلاثون سنة بنت قريش البيت ، فاختلفوا فيمن يضع الحجر محلّه ، وتنازعوا ، ثم رضوا بأنّه الذي يضعه ، فوضعه بيده ، وصار من يومئذ يسمع صوتا أحيانا ولا يرى شخصا ، ثم صار يرى نورا . ولمّا قربت أيّام الوحي أحبّ الخلوة والانفراد ، فكان يختلي في جبل حراء بالذّكر . وزعم أنّه كان بالفكر لا التفات إليه ؛ لأنّ خلوة طلّاب طريق الحقّ على أنواع : الأول : أن تكون لطلب مزيد علم من الحقّ لا بطريق النّظر والفكر ، وهذا غاية مقاصد أهل الحقّ ؛ لأنّ من خاطب في خلوته كونا من الأكوان ، أو فكّر فيه فليس في خلوة ؛ قال رجل لبعض الأكابر : اذكرني عند ربّك في خلوتك . فقال : إذا ذكرتك فلست معه في خلوة . وشرط هذه الخلوة أن يذكر بنفسه وروحه لا بنفسه ولسانه . الثاني : أن تكون خلوتهم لصفاء الفكر ليصحّ نظرهم في طلب المعلومات ، وهذه لقوم يطلبون العلم من ميزان العقل ، وذلك الميزان في غاية اللّطافة ، وهو بأدنى هوى يخرج عن الاستقامة ، وطلّاب طريق الحقّ لا يدخلون هذه الخلوة ؛ بل خلوتهم بالذّكر ، وليس للفكر عليهم سلطان ، ومهما وجد الفكر طريقا إلى صاحب هذه الخلوة فليعلم أنّه ليس من أهلها فيخرج منها ، وأنّه ليس من أهل العلم الصحيح الإلهي ؛ إذ لو كان من أهله حالت العناية الإلهية بينه وبين دوران رأسه بالفكر .